محمد سعيد رمضان البوطي

18

من روايع القرآن

ضوؤه وسارت بإشراقه ، وتأثرت بوحيه وأسلوبه . ومن أجل ذلك ، كان مظهرا هامّا للحياة العقلية والفكرية والأدبية التي عاشها العرب فيما بعد . فكيف يتأتى أن يكون هذا الكتاب مع ذلك بمعزل عن العربية وعلومها وآدابها ؟ ! السبب الثاني - أن اللغة العربية إنما استقام أمرها على منهج سليم موحد . بسر هذا الكتاب وتأثيره ، وهي إنما ضمن لها البقاء والحفظ بسبب ذلك وحده . فقد كانت اللغة العربية من قبل عصر القرآن أمشاجا من اللهجات المختلفة المتباعدة ، وكان كلما امتد الزمن ، ازدادت هذه اللهجات نكارة وبعدا عن بعضها . وحسبك أن تعلم أنّ : المعينية ، والسبئية ، والقتبانية ، واللحيانية والثمودية والصفوية والحضرمية ، كلها كانت أسماء للهجات عربية مختلفة ، ولم يكن اختلاف الواحدة منها عن الأخرى محصورا في طريقة النطق بالكلمة ، من ترقيق أو تفخيم أو إمالة أو نحو ذلك ، بل ازداد التخالف واشتد إلى أن انتهى إلى الاختلاف في تركيب الكلمة ذاتها وفي الحروف المركبة منها ، وفي الإبدال والإعلال والبناء والإعراب . فقضاعة مثلا كانت تقلب الياء جيما إذا كانت ياء مشددة أو جاءت بعد العين ، وكانت العرب تسمي ذلك : عجعجة قضاعة . ومن ذلك قول شاعرهم : خالي عويف وأبو علجّ * المطعمان اللحم بالعشجّ وبالغداة قطع البرنج * يؤكل باللحم وبالصيصجّ وحمير كانت تنطق ب « أم » بدلا من « أل » المعرفة في صدر الكلمة ، وكانت العرب تسمي ذلك طمطمانية حمير ، ومن ذلك قول أحدهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسأله : أمن امبر امصيام في امسفر ؟ يريد أن يقول : هل من البرّ الصيام في السفر ؟ وهذيل كانت تقلب الحاء في كثير من الكلمات عينا ، فكانوا يقولون